عبد الملك الجويني
278
الشامل في أصول الدين
ومما تمسك به أن قال : الجسم الثقيل إذا أجلبت فيه اعتمادات علوية ، فإذا تحرك في جهة علوية ثم انعكس ورجع ، فإنما يرجع لما فيه من الاعتمادات اللازمة في جهة سفل ، وهذا الفصل مما اختلف فيه المعتزلة ، وسنفرده بالذكر بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى . ومما اختلفوا فيه : القول في تضاد الاعتمادات . فالذي صار إليه الجبائي أنها متضادة . وإلى ذلك مال بعض أئمتنا . وقال أبو هاشم : لا تتضاد الاعتمادات إذا كان بعضها لازما طبيعيا . فإذا رمى الرامي حجرا في جهة علو ، فقد حدثت فيه اعتمادات مجتلبة ، والاعتمادات اللازمة باقية فيه . واختلف جواب أبي هاشم في تضاد اعتمادين مجتلبين في جهتين . فقال في بعض أجوبته : هما متضادان ، وإنما لا يتضاد اللازم من الاعتمادات مع المجتلب . ثم استقر جوابه على أنهما لا يتضادان ، واستشهد في ذلك بالحبل يتجاذبه اثنان من جهتين ، فتجتمع في أجزائه اعتمادات مجتلبة يمنة وأخرى يسرة . وإذا تكافأت الاعتمادات من الجهتين ، اقتضى ذلك إمساك الحبل ووقوفه . وهذا هو الذي لا يلائم مذهبهم غيره . وقد ذكرنا تمسكهم به في تصوير التمانع . ولا وجه للقول الأول من قول أبي هاشم . وكما اختلف جوابه في تضاد الاعتمادين المجتلبين من جهتين ، فكذلك اختلف جوابه في تضاد اعتمادين طبيعيين من جهة فوق وتحت . والذي ارتضاه القاضي أن الاعتمادات لا تتضاد على التفصيل الذي قدمناه ، واستدل الجبائي في نصرة مذهبه بأن قال : الحركتان في الجهتين تتضادان ، فكذلك يلزم تضاد الاعتماد في الجهتين . وهذا الذي قاله خلف من القول واجتزاء بمجرد الدعوى في الجمع بين الحركتين والاعتمادين . ولو طولب بالدليل على الجمع بين القبيلتين : الاعتمادات والحركات ، لم يجد إلى ذكر شيء سبيلا . ثم لو تقبلنا جمعه من غير طلبة بتحرير ، فالفرق بين الاعتمادين والحركتين : أن الحركة توجب تخصيص الجوهر بجهة بعد اختصاصه بغيرها ، ولو جوزنا اجتماع حركتين من جهتين ، للزم شغل الجوهر حيزين في الحالة الواحدة ، وذلك محال . فأما الاعتماد فلا أثر له في تخصيص الجوهر بحيز دون حيز ، فلم يلزم من اجتماع الاعتمادين تخصيص الجوهر بحيزين في الحالة الواحدة . فوضح الفرق . ثم استدل أبو هاشم بأن قال : الجسم الثقيل إذ جذبه جاذب من جهة فوق ، فيحس منه ثقله ، ويعلم منه اعتماداته في جهة السفل ، وكذلك يفرق بين محاولة جذب الثقيل وروم جذب الخفيف . فاتضح لذلك أن الثقيل ، وإن اجتلبت فيه اعتمادات من جهة علو ، فهو على